مقدمة
1 . لا تقتصر ظاهرة عمل الأطفال على الدول النامية أو الفقيرة، بل هي في الواقع ظاهرة عالمية، إلا أنها تختلف من حيث الحجم، والمخاطر ومستويات الرقابة.فضلا ً عن كونها – في كل الأحوال – آلية دعم أقتصادي لدخل العائلة، ولذلك يميز بعض خبراء منظمة العمل الدولية بين عمل الأطفال وشغل الأطفال.ويتناول عمل الأطفال أنواع معينة من العمل غير المقبول – كالعمل في الصناعات والمهن الخطرة و /أو الأستغلالية ( مثل المناجم والألعاب النارية والدعارة والبحث عن النفايات ) والعمل الذي يقوم به الأطفال الصغار بنوع خاص ( مثلا ً الذين يبلغ عمرهم أقل من 12 سنة ) والذي يحول دون التحاقهم بالمدرسة والعمل المنفذ بموجب علاقات قسرية تشبه العبودية ويكون شغل الأطفال عندئذ مكونا ً من جميع الأنشطة الأخرى لليد العاملة كما يمكن إضافة أنشطة العمل المنزلي ورعاية الأطفال ( يظهر أستعراض النتائج – 40 – دراسة في الدول النامية أن قيمة العمل المنزلي غير المدفوع تعادل ما يتراوح بين 25 % - 50 % من الناتج المحلي الإجمالي المقاس).
2 . طبقا ً لمنظمة العمل الدولية فأن الأتفاقية ( 138 ) حددت سن الخامسة عشرة كحد عام وسن الرابعة عشرة في ظل الظروف الوطنية الخاصة. وهذا التحديد يقل عن عمر الطفل الوارد من أتفاقية حقوق الأطفال وهو( 18) سنة.وطبقا ً لقانون العمل العراقي الرقم 71 لسنة 987 قصد بالطفل الشخص الذي لم يكمل الثامنة عشرة من العمر.وهو في العراق سن التمييز.
3 . ليس لدينا في العراق، بل وفي معظم البلدان العربية، قاعدة بيانات دقيقة غير أن هناك بعض التقديرات المتواضعة منها ما ورد في تقرير العمل الأجتماعي الذي أصدرته جامعة الدول العربية وقدر أن مساهمة الأطفال في قوة العمل في العراق تصل إلى 37،2 % ,وتعادل هذه النسبة حوالي ( 94 ) الف طفل. غير أن مسح الأحوال المعيشية في العراق أظهر أن عدد السكان تحت سن العمل يبلغ ( 10،682،000 ( وقد أحتسب المسح سن العشر سنوات كحد عمري يحدد عدد السكان الذين يقعون ضمن سن العمل وأفترض أن عدد الذين تقع أعمارهم بين ( 10 – 14 ) سنة هو عدد قليل. غير أن مسح التشغيل والبطالة الذي أصدره الجهاز المركزي للإحصاء ( 2006 ) أظهر أن ( 19987 ) من الذين شملهم المسح كانوا من الفئة العمرية 6 – 14 سنة وتبين أن 83 % من الأطفال يعملون لدى الأسرة بدون أجر وبشكل دائمي.ومع أن هذه البيانات موجزة جدا ً فأنها تظهر الطابع الأسري لعمل الأطفال في العراق، وخصوصا ً في الريف.
ثانيا ً: بعض بسمات عمل الأطفال في العراق*
أ . لا شك أن هناك صلة قوية ما بين عمل الأطفال وعوامل مثل الفقر وحجم الأسرة ومعدل الإعالة. إلى ( 3 ) أفراد.وقد أظهرت أحدى الدراسات أن ذوي الدخول المحدودة يحثون أولادهم على ترك الدراسة والأنصراف إلى العمل لسد حاجات أسرهم.
ب . في دراسة لليونيسيف تناولت تحليل موقف الأطفال والنساء وذلك في سنة 1998 أشير إلى حصر عمل الأطفال بالأولاد الذكور اما مسؤولية البنات فقد أنحصرت في أطار الحدود المنزلية. والواقع أن هذا الرأي ربما تغير اليوم كثيرا ً أذ أن الملاحظة الميدانية تظهر أن عدد الإناث قد تزايدت وخصوصا ً في مهن ومعامل غالبا ً ما تكون بعيدة عن الرقابة ( مثل صناعة البخور ومعامل الخياطة ) بل أننا نلاحظ تزايد أعداد الإناث صغيرات السن اللواتي يبعن الأكياس للمتبضعين في الأسواق وعند تقاطع الطرق.
ج . يمكن القول أن هناك بعض التنوع في أصناف مهن الأطفال طبقا ً للعمر، فالأطفال دون سن العاشرة قد يبيعون أكياسا ً في الأسواق، أما الأكبر سنا ً فيعملون في ورش تصليح السيارات والحدادة، أو صباغي الأحذية، وتكثر أعدادهم في المناطق الصناعية. لقد أظهرت دراسة لأربع مناطق رئيسية في بغداد أواخر عام 2003.
وشملت ( 156 ) طفلا ً من العاملين أن المتوسط الحسابي لأعمار المبحوثين بلغ ( 12،2 ) سنة.
د . أظهرت الدراسة المذكورة أن ( 55،7 % ) من المبحوثين تركوا مدارسهم رغم أن بعضهم واصل الدراسة الأبتدائية لعدة سنوات.ولم تكن للفتيات من العينة وبنسبة ( 69 % ) أية خبرات دراسية. ويبدو من البيانات أن ( 76 % ) من الإناث و ( 46،8 % ) من الذكور أنقطعوا عن الدراسة لأسباب أقتصادية وكانت دراسة أخرى عن عمل الصبية المبكر قد أظهرت أيضا ً أن ( 67 % ) منهم تركوا الدراسة.
هـ . أظهرت الدراسة التي تناولت أربع مناطق في بغداد أن 40 % من آباء الأطفال المبحوثين يعانون من حالات مرضية ومن مظاهر عوق بدني. وأن 93 % من الأطفال ما زال آباؤهم على قيد الحياة ويعيشون مع الأسرة إلا أن حوالي 70 % من الآباء تلقوا تعليما ً بسيطا ً و 30 % منهم أميون. مقابل ذلك فأن حوالي 50 % من أمهات المبحوثين أميات و 75 % لا يمارسن أي عمل.
و . أرتبط عمل الأطفال في السنتين الأخيرتين على وجه الخصوص بظاهرة التهجير القسري الداخلي. وأظهرت دراسة عن أسر الأطفال المهجرين في مدينة الناصرية وتتألف من عينة قوامها ( 411 ) أسرة بلغ عدد أطفالها ( 1243 ) أسرة ( 58 % من الإناث و 42 % من الذكور ) ، أظهرت هذه الدراسة أن ( 72 % ) من أطفال هذه الأسر يمارسون أعمالا ً لا تتناسب مع أعمارهم مثل تنظيف الشوارع والحمالة ويمضي بعضهم أكثر من سبع ساعات في عمل متواصل. كما أن هناك من يمارس منهم أفعالا ً أنحرافية مثل بيع العقاقير والحبوب المخدرة والخمور.
ز . يتعرض الأطفال، وكما أظهرت عدة دراسات لمخاطر كبيرة يمكن أجمالها بما يلي:
1 – العنف الجسدي من قبل أصحاب العمل.
2 – الاعتداءات الجنسية المتكررة وتظهر ملاحظات ميدانية أن بعض أرباب المهن يتعمدون تشغيل أطفال صغار السن يغرونهم أو يجبروهم على الممارسة الجنسية أو يستخدموهم في جلسات تناول المسكرات والمخدرات أو القمار.
3 – غالبا ً ما يصبح الطفل العامل في منطقة معينة عضوا ً في جمعية أقران، تتناول كل ً او جزءا ً المخدرات، وخصوصا ً الحبوب الرخيصة والثنر، والسيكوتين وقد يتلقى خبرات في النشل ولعب القمار.
4 – المخاطر الصحية المختلفة.
5 – مخاطر العنف الجماعي والعمليات الإرهابية التي وقع كثير منها في أسواق عامة.
ح . أن كثيرا ً من الأطفال يمارسون مهنا ً هامشية وهي جزء من ظاهرة أمتداد سوق العمل غير النظامي الذي أتسع بسبب الحصار والاحتلال وسوء أدارة الوارد.
ي . أظهرت أحدى الدراسات أن الأطفال غالبا ً ما يخضعون للأبتزاز ولا تدفع لهم سوى أجور ضئيلة عن أيام عمل طويلة وشاقة أذ بلغ معدل دخل عينة منهم ( 168 ) الف دينار أي بمعدل يزيد قليلا ً على ثلاثة الآلف دينار مع أن الأطفال – غالبا ً – أظهروا مشاعر مسؤولية عالية تجاه أسرهم.
ك . من الظواهر اللافتة للنظر هي ظاهرة الطفل الذي يعمل تارة ( يبيع أكياس النايلون، أو البخور، أو الآليات القرآنية والأدعية وما أشبه ) بينما تمارس أسرته التسول، وقد يمارس معها التسول أحيانا ً.
تلك هي بعض مظاهر عمل الأطفال
ثالثا ً – ما العمل:
لا شك أن هناك نقصا ً فادحا ً في البيانات الدقيقة والعميقة عن مشكلات الأطفال العاملين مما يشكل عائقا ً يحول دون وضع سياسات فاعلة ومؤثرة. غير أن منظمة العمل الدولية، وهي تلاحظ تفاقم ظاهرة عمل الأطفال في العالم أقترحت خطة من عدة نقاط هي:
1 – إيقاف الأشكال غير المقبولة لعمل الأطفال فورا ً.
2 – تبديل المواقف تجاه مسألة القبول الأجتماعي لعمل الأطفال عن طريق تعبئة الرأي العام واللجوء إلى الجماعات الضاغطة.
3 – التصدي للأسباب الجندرية لعمل الأطفال عن طريق تحسين أحوال الفقراء.
*صنف العراق ضمن تقرير دولي وضعه فريق من الأطباء والمحامين من ضمن ( 33 ) دولة هي الأسوأ في حال الأطفال من بين ( 90 ) بلدا ً.